ابن عجيبة

620

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم قال تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 84 إلى 87 ] وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ( 84 ) قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ( 85 ) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 86 ) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ( 87 ) قلت : يا أسفى ، ويا ويلتي ، ويا حسرتي ، مما عوض فيه الألف عن ياء المتكلم . والأسف : أشد الحزن . وقيل : شدة الحسرة . و ( كظيم ) : إما بمعنى مفعول ، كقوله : ( وهو مكظوم ) ؛ أي : فهو مملوء غيظا على أولاده ، ممسك له في قلبه ، تقول : كظم السقاء ؛ إذا شد على ملئه . أو بمعنى فاعل ؛ كقوله : وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ « 1 » ؛ من كظم البعير جرّته ؛ إذا ردها في جوفه . و ( تفتأ ) : من النواقص اللازم للنفي ، وحذفه هنا لعدم الإلباس ؛ لأنه لو كان مثبتا لأكد باللام والنون . والحرض : المريض المشرف على الهلاك ، وهو في الأصل مصدر ، ولذلك لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع . والبث : أشد الحزن . يقول الحق جل جلاله : وَتَوَلَّى يعقوب عن أولاده ، أي : أعرض عَنْهُمْ لما لم يصدقهم ، كراهة إما صادف منهم ، ورجع إلى تأسفه وَقالَ يا أَسَفى أي : يا شدة حزنى عَلى يُوسُفَ . وإنما تأسف على يوسف دون أخويه لأن محبته كانت أشد ؛ لإفراط محبته فيه ، ولأن مصيبته سبقت عليهما . وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ من كثرة البكاء مِنَ الْحُزْنِ ، كأنّ العبرة محقت سوادها ، وقيل : ضعف بصره ، وقيل : عمى . وقد روى أنه : « حزن يعقوب حزن سبعين ثكلى ، وأعطى أجر مائة شهيد ، وما ساء ظنّه باللّه قطّ » . وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند التفجع . ولعل أمثال ذلك لا يدخل تحت التكليف ، فإنه قلّ من يملك نفسه عند الشدائد ، وقد بكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : « القلب يحزن ، والعين تدمع ، ولا نقول إلّا ما يرضى ربّنا ، وإنّا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون » . فَهُوَ كَظِيمٌ أي : مملوء غيظا على أولاده ؛ لما فعلوا . أو كاظم غيظه ، ماسك له ، لم يظهر منه شيئا ، ولم يشك لأحد .

--> ( 1 ) من الآية 134 من سورة آل عمران .